عطاء بن ابي رباح
ما رأيت احدا يريد بالعلم وجه الله عز والغير هؤلاء الثلاثة
عطاء.... وطاوس .. ومجاهد
ها نحن أولاء في العشر الأخير من شهر (( ذي الحجة )) سنة سبع وتسعين للهجرة ... وهذا البيت العتيق يموج بالوافدين على الله من كل فج
مشاة وركبانا .
وشيوخا وشبانا ، ورجالا ونساء.
فيهم الأسود والابيض .
والعربي والعجمي .
والسيد والمسود...
لقد قدموا جميعا عاملة الناس مخبتين ، ملبين راجين موءملين.
وهذا سليمان بن عبد الملك خليفة المسلمين وأعظم ملوك الارض يطوف بالبيت العتيق حاسر الرأس ( اي مكشوف الرأس ) حافي القدمين ليس عليه الا آزار ورداء ... شانه في ذلك كشأن بقية رعاياه من اخوته في الله .
وكان من خلفه ولداه . وهما غلامان كطلعة البدر بهاء ورواء ، وكاكمام الورد نضارة وطيبة .
وما ان انتهى من طوافه حتى مال على رجل من خاصته وقال :
أين صاحبكم ؟ فقال :
انه هناك قاءم يصلي ...
وأشار الى الناحية الغربية من المسجد الحرام .
فاتجه الخليفة ومن وراءه ولداه الى حيث أسير اليه ...
وهم رجال الحاشية ، حاشية الخليفة وخاصته ومعاونوه . بان يتبعوا الخليفة ليفسحوا له الطريق ويدفعوا عنه اذى الزحام فثناهم عن ذالك ( اي ردهم عن ذلك ) وقال:
هذا مقام يستوي فيه الملوك والسوقة
ولا يفضّل فيه احدا بالقبول والتقوى.
ورب أشعث أغبر ( الأشعث : المتلبد الشعر ، والاغبر الذي تكاثر عليه الغبار .) قدم على الله فتقبله بما لم يتقبل به الملوك .
ثم مضى نحو الرجل فوجده ما يزال داخلا في صلاته ، غارقا في ركوعه وسجوده
والنَّاس جلوس وراءه ، وعن يمينه وعن شماله ...
فجلس حيث انتهى به المجلس ...
وطفق الفتيان القرشيانيتعاملان ذلك الرجل الذي قصده أمير المؤمنين وجلس مع عامة الناس ينتظر فراغه من صلاته .
فإذا هو شيخ حبشي ، اسود البشرة ، مفلفل الشعر( اي شديد تجعيد الشعر ) افطس الأنف ( اي شديد انخفاض قصبة الأنف ) اذا جلس بدا كالغراب الأسود .
ولما انتهى الرجل من صلاته مال بشقه على الجهة التي فيها الخليفة فحياه سليمان بن عبد الملك فرد التحية بمثلها .
وهنا اقبل عليه الخليفة وجعل يسأله عن مناسك الحج منسكا منسكا وهو يفيض بالاجابة عن كل مسالة . ويفصل القول فيها تفصيلا لا يدع سبيلا لمستزيد .
ويسند كل قول يقوله الى رسول الله صَل الله عليه وسلم .
ولما انتهى الخليفة من مساءلته جزاه خيرا ، وقال لولديه :
قوما ، فقاما ... ومضى الثلاثة نحو المسعى .
وفيما هم في طريقهم الى السعي بين الصفا والمروة سمع الفتيان المنادين ينادون : يا معشر المسلمين .
لا يفتي الناس في هذا المقام الا عطاء بن ابي رباح
فان لم يوجد فعبدالله بن ابي نجيح .
فالتفت احد الغلامين الى ابيه وقال :
كيف يأمر عامل أمير المؤمنين الناس بالا يستفتوا احدا غير عطاء بن ابي رباح وصاحبه .
ثم جءنا نحن نستفتي هذا الرجل الذي لم يأبه للخليفة ولم يوقع حقه من التعظيم !.
فقال سليمان لولده :
هذاالذي رايته - يا بني - ورايت ذلنا بين يديه هو عطاء بن ابي رباح صاحب الفتيا في المسجد الحرام .
ووارث عبد الله بن عباس في هذا المنصب الكبير .. ثم أردف يقول : يابني . تعلموا العلم .. فبالعلميشرف الوضيع
وينبه الخامل ...
ويعلو الأرقاء على مراتب الملوك
2017-08-30, 6:49:31 AM: Doha New: لم يكن سليمان بن عبد الملك مبالغا فيما قاله لابنه في شان العلم
فقد كان عطاء بن ابي رباح في صغره عبدا مملوكا لامرأة من أهل مكة . عير ان الله جل وعز أكرم الغلام الحبشي بان وضع قدميه منذ نعومة أظفاره ( اي منذ طفولته ) في طريق العلم، فقسم وقته أقساما ثلاثة :
قسم جعله لسيدته يخدمها فيه احسن ما تكون الخدمة ، ويوءدي لها حقوقها عليه اكمل ما توءدي الحقوق .
وقسم جعله لربه يفرغ فيه لعبادته أصفى ماتكون العبادة واخلصها لله عز وجل .
وقسم جعله لطلب العلم حيث اقبل على من بقي حيّا من صحابة رسول الله صَل الله عليه وسلم ، وطفق ينهل من مناهلهم الثرة الغزيرة الصافية .
فاخذ عن ابي هريرة وَعَبَد الله بن عمر ، وعبدالله بن عباس ، وَعَبَد الله بن الزبير وغيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم حتى امتلا صدره علما وفقها ورواية عن رسول الله صَل الله عليه وسلم .
ولما رأت السيدة المكية ان غلامها قد باع نفسه لله...
ووقف حياته على طلب العلم ... تخلت عن حقها فيه ، وأعاقت رقبته تقربا لله عز وجل ، لعل الله ينفع به الاسلام والمسلمين ...
ومنذ ذلك اليوم اتخذ عطاء بن ابي رباح البيت الحرام مقاما له ...
فجعله داره التي يأوي اليها ... ومدرسته التي يتعلم فيها ... ومصلاه الذي يتقرب فيه الى الله بالتقوى والطاعة
حتى قال المؤرخون : كان المسجد فراش عطاء بن ابي رباح عشرين عاما ..
وقد بلغ التابعي الجليل عطاء بن ابي رباح منزلة في العلم فاقت كل تقدير ...
وسما الى مرتبة لم ينلها الا نَفَر قليل من معاصريه ...
فقد روي ان عبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن ابيه ام مكة معتمرا ...
فاقبل الناس عليه يسألونه ويستفتينه ، فقال : أني لأعجب لكم يا أهل مكة ...
لتجمعات لي المساءل لتسالونيعنها وفيكم عطاء بن ابي رباح
وقد وصل عطاء بن ابي رباح الى ما وصل اليه من درجة في الدين والعلم بخصلتين اثنتين :
أولاهما انه احكم سلطانه على نفسه ، فلم يدع لها سبيلا لترتع فيما لا ينفع
وثانيتهما انه احكم سلطانه على وقته فلم يهدره في فضول الكلام والعمل
حدث محمد بن سرقة جماعة من زواره قال : الا أسمعكم حديثا لعله ينفعكم كما تفهمي ؟ قالوا : بلى
قال نصحني عطاء بن ابي رباح ذات يوم فقال :
يابن اخي : ان الذين من قبلنا كانوا يكرهون فضول الكلام .
فقلت : وما فضول الكلام عندهم ؟
فقال : كانوا يعدون كلام فضولا ما عدا كتاب الله عز وجل ان يقراء ويفهم ...
وحديث رسول الله صَل الله عليه وسلم ان يروى ويدرى او أمرا بمعروف ونهبا عن منكر ...
او علما يتقرب به الى الله تعالى ...
او ان تتكلم بحاجتك ومعيشتك التي لا بد لك منها ...
ثم حدق الى وجهي وقال :
أتنكرون (( ان عليكم لحافظون كراما كاتبين ))
وان مع كل منكم. ملكين (( عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد ))
ثم قال : اما يستحي احدنا لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها نهاره ، فوجد اكثر ما فيها ليس من امر دينه ، ولا امر دنياه
No comments:
Post a Comment